عبد الوهاب الشعراني
510
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
على كل حال ا ه . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك على يد شيخ ليرقيه إلى درجات المراقبة للّه تعالى والخوف من عذابه حتى يعرف كل مسألة ترك العمل بها ويستغفر ، فلا يلتبس عليه مسألة واحدة من كل باب لم يعمل بها كما كان عليه العلماء العاملون . وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه اللّه تعالى يقول : كل فقيه لا يجتمع بالقوم فهو كالخبز الحاف بلا أدم . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : لا يكمل طالب العلم إلا بالاجتماع على أحد من أشياخ الطريق ليخرجه من رعونات النفوس ومن حضرات تلبيس النفس ، ومن لم يجتمع على أهل الطريق فمن لازمه التلبيس غالبا دعوى العمل بما علم وكل من نسبه إلى قلة العمل أقام عليه الأدلة التي تمشي عند اللّه ، ومن شك في قولي هذا فليجرب . فاسلك يا أخي على يد شيخ والزم خدمته واصبر على جفائه لك وتغرباته عليك فإن الذي يريد أن يطلعك عليه أمر نفيس لا يقابل بالأعراض الدنيوية فإن للعلم رياسة عظيمة وللنفس فيه دسائس ربما خفيت على مشايخ العلم فضلا عن الطلبة : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النور : 46 ] . وروى مسلم وغيره أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول في دعائه : « اللّهمّ إنّي أعوذ بك من نفس لا تشبع ، ومن علم لا ينفع » . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « يجاء بالرّجل يوم القيامة فيلقى في النّار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار في الرّحى ، فيجتمع إليه أهل النّار فيقولون : يا فلان ما شأنك ؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ فيقول : كنت آمركم بالخير ولا آتيه ، وأنهاكم عن الشّرّ وآتيه » . وروى البزار وغيره مرفوعا : « مثل الّذي يعلّم النّاس الخير وينسى نفسه ، كمثل الفتيلة تضيء على النّاس وتحرق هي نفسها » . وروى الطبراني مرفوعا : « كلّ علم وباله على صاحبه إلّا من عمل به » . وفي رواية له مرفوعا : « أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه اللّه بعلمه » . وروى الإمام أحمد والبيهقي عن منصور بن زاذان قال : بلغنا أن العالم إذا لم ينتفع بعلمه يصيح أهل النار من نتن ريحه ، ويقولون له ماذا كنت تفعل يا خبيث فقد آذيتنا بنتن ريحك ؟ أما يكفيك ما نحن فيه من الأذى والشر فيقول لهم كنت عالما فلم أنتفع بعلمي واللّه تعالى أعلم .